محمد حسين الذهبي

492

التفسير والمفسرون

درجات البلاغة ، فإذا نحن ذهبنا مذهب أرباب التفسير العلمي وقلنا بأن القرآن متضمن لكل العلوم ، وألفاظه متحملة لهذه المعاني المستحدثة ، لأوقعنا أنفسنا في ورطة لا خلاص لنا منها إلا بما يخدش بلاغة القرآن ، أو يذهب بفطاتة العرب ؛ وذلك لأن من خوطبوا بالقرآن في وقت نزوله إن كانوا يجهلون هذه المعاني . وكان اللّه يريدها من خطابه إياهم لزم على ذلك أن يكون القرآن غير بليغ ، لأنه لم يراع حال المخاطب وهذا سلب لأهم خصائص القرآن الكريم . وإن كانوا يعرفون هذه المعاني فلم لم تظهر نهضة العرب العلمية من لدن نزول القرآن الذي حوى علوم الأولين والآخرين ؟ ولم لم تقم نهضتهم على هذه الآيات الشارحة لمختلف العلوم وسائر الفنون ؟ . . وهذا أيضا سلب لأهم خصائص العرب ومميزاتهم . ثالثا - الناحية الاعتقادية : القرآن الكريم باق ما تعاقب الملوان ، ونظامه نافع لكل عصر وزمان ، فهو يتحدث إلى عقول الناس جميعا من لدن نزوله إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها ، وهو يساير حياتهم في كل ما يمرون به من مراحل الزمن . وهذا كله بحكم كونه كتاب الشريعة العامة الشاملة ، وقانون الدين الذي جعله اللّه خاتم شرائع السماوات إلى أهل الأرض . هذا ما يجب على كل مسلم أن يعتقده ويدين به ، حتى يسلم له دينه ، ولا يرتاب فيه ، فإذا نحن ذهبنا مذهب من يحمل القرآن كل شئ ، وجعلناه مصدرا لجوامع الطب ، وضوابط الفلك ، ونظريات الهندسة ، وقوانين الكيمياء ، وما إلى ذلك من العلوم المختلفة ، لكنا بذلك قد أوقعنا الشك في عقائدهم المسلمين نحو القرآن الكريم ، وذلك لأن قواعد العلوم وما تقوم عليه من نظريات ، لا قرار لها ولا بقاء ، فرب نظرية علمية قال بها عالم اليوم ، ثم رجع عنها بعد زمن قليل أو كثير ، لأنه ظهر له خطؤها . وأمام سمعنا وبصرنا من المثل ما يشهد بأن كثيرا من جوامع العلم لا يضبطها اليوم أحد إلا تغير ضبطه لها بعد ذلك ، وكم بين نظريات العلم قديمة وحديثة من تناف وتضاد ، فهل يعقل أن يكون القرآن محتملا